- إنضم
- 2025/01/02
- المشاركات
- 82
- التفاعل
- 142
- النقاط
- 33
كان من فواجعي أني اكتشفت زور هذه الأنفس الإنسانية مبكراً ..
كنا نسكن عام ١٤٠٠هـ في شارع الخزان في الرياض قريباً من مبنى التلفزيون، وسمعت من بعض من كنتُ ألعب معهم في الحارة أنهم يسجلون حلقات لبرنامج من برامج الأطفال مشهور في تلك الأيام، وأنهم قد حددوا موعداً - بعد الظهر - لحضور التسجيل في يوم معلوم يحضره من شاء.
كانت سنّي بين الحادية عشرة والثانية عشرة؛ ففرحت كثيراً أن أرى صورتي قد خرجت على الشاشة (في الكبار اليوم من يفرح كثيراً . لهذا!). و
ذهبنا أربعة أو خمسة من الأولاد بثياب متسخة لكثرة ما لعبنا بالكرة وتمرغنا في الإسفلت، ولم أكن أنا وأحد الرفقة نلبس الأحذية، مشينا حفاة حتى دخلنا المبنى، وتوجهنا إلى أستديو التسجيل، ثم قصدنا آخر الكراسي؛ لأن حالتنا ما كانت تستر ...
ورأيت ماما .... مذيعة البرنامج شوهاء عابسة تنهر هذا وتصيحفي وجه ذاك، قد أجلست ولدها على كنب مريح بعيداً عنا يقدم له العصير ونحن رصصنا رصاً كالغنم ، ثم حضر الأستاذ صالح .... مخرج البرنامج فاقترب منا وتأملنا في حزم م كأنه ضابط يستعرض كتيبة من الجند، فوقعت عينه على قدمي زميلي، فصرخ في وجهه وقال له : تأتي إلى البرنامج متسخ الثياب حافي القدمين يا قذر، ألا تعلم أن كبار المسؤولين يشاهدون هذا البرنامج، ألا تعلم أن الملك يشاهده.. وتوجه إليه وطرده شتر طردة على مرأى منا ومسمع، فجمدت في مكاني ومرت علي لحظات كأنها الدهر كله (هذا في برنامج للأطفال... إلا أن عينيه تخطتني لحسن الحظ بعد أن وقفت علي قليلاً ...
ثم إنهم أخبرونا أن هناك أنواراً مواجهة لنا إذا أضاءت فعلينا أن نصفق، وكنت أحسب أن الأطفال يصفقون فرحاً من عند أنفسهم.. توارى المخرج خلف الكاميرات والأسلاك، وأخرجت المذيعة من حقيبتها بعض الأدوات وأصلحت من شأن نفسها عـلـى عـجــل وبدأ التصوير، فابتسمت الماما ابتسامة كاد ينشق لها فمها، والمخرج خلف الكواليس يهمس ويوجه ويشير بيديه في عصبية شديدة، والطفل يخرج للميكرفون في يد المذيعة ينشد أو يجيب عن سؤال، فتبتسم في وجهه، وتنظر إليه في دفء وحنو .. فلما أوقفوا البرنامج للراحة عبست المذيعة - والله - وتغيّرت سحنتها لا أدري كيف، وأنا من هذا كله في خوف من أن يقبض علي بلا نعل، ودهشة من هذا الذي يحدث إلى أن انتهى البرنامج، فخرجنا مسرعين وصاحبنا المطرود ينتظرنا عند الباب في خزي وغيرة، وأحسست وأنا أعود إلى البيت بشيء يتكسر من نفسي ويهوي في مجاهلها فأكاد أغيب، لكن ما كنتُ أدري ما هو في تلك السن المبكرة ( قرأت فيما بعد لطاغور: ثمة قفر فسيحاسمه القلب، في أعماقه أضعت سبيلي).
كان ذلك كله : مقابل أن أرى صورتي لثوان معدودات على شاشة التلفزيون، وقد التصقت بالكرسي وتجمعت خوف أن أرى .. فيا لبهجة الطفولة...
عبدالله الهدلق
(ميراث الصمت والملكوت)
كنا نسكن عام ١٤٠٠هـ في شارع الخزان في الرياض قريباً من مبنى التلفزيون، وسمعت من بعض من كنتُ ألعب معهم في الحارة أنهم يسجلون حلقات لبرنامج من برامج الأطفال مشهور في تلك الأيام، وأنهم قد حددوا موعداً - بعد الظهر - لحضور التسجيل في يوم معلوم يحضره من شاء.
كانت سنّي بين الحادية عشرة والثانية عشرة؛ ففرحت كثيراً أن أرى صورتي قد خرجت على الشاشة (في الكبار اليوم من يفرح كثيراً . لهذا!). و
ذهبنا أربعة أو خمسة من الأولاد بثياب متسخة لكثرة ما لعبنا بالكرة وتمرغنا في الإسفلت، ولم أكن أنا وأحد الرفقة نلبس الأحذية، مشينا حفاة حتى دخلنا المبنى، وتوجهنا إلى أستديو التسجيل، ثم قصدنا آخر الكراسي؛ لأن حالتنا ما كانت تستر ...
ورأيت ماما .... مذيعة البرنامج شوهاء عابسة تنهر هذا وتصيحفي وجه ذاك، قد أجلست ولدها على كنب مريح بعيداً عنا يقدم له العصير ونحن رصصنا رصاً كالغنم ، ثم حضر الأستاذ صالح .... مخرج البرنامج فاقترب منا وتأملنا في حزم م كأنه ضابط يستعرض كتيبة من الجند، فوقعت عينه على قدمي زميلي، فصرخ في وجهه وقال له : تأتي إلى البرنامج متسخ الثياب حافي القدمين يا قذر، ألا تعلم أن كبار المسؤولين يشاهدون هذا البرنامج، ألا تعلم أن الملك يشاهده.. وتوجه إليه وطرده شتر طردة على مرأى منا ومسمع، فجمدت في مكاني ومرت علي لحظات كأنها الدهر كله (هذا في برنامج للأطفال... إلا أن عينيه تخطتني لحسن الحظ بعد أن وقفت علي قليلاً ...
ثم إنهم أخبرونا أن هناك أنواراً مواجهة لنا إذا أضاءت فعلينا أن نصفق، وكنت أحسب أن الأطفال يصفقون فرحاً من عند أنفسهم.. توارى المخرج خلف الكاميرات والأسلاك، وأخرجت المذيعة من حقيبتها بعض الأدوات وأصلحت من شأن نفسها عـلـى عـجــل وبدأ التصوير، فابتسمت الماما ابتسامة كاد ينشق لها فمها، والمخرج خلف الكواليس يهمس ويوجه ويشير بيديه في عصبية شديدة، والطفل يخرج للميكرفون في يد المذيعة ينشد أو يجيب عن سؤال، فتبتسم في وجهه، وتنظر إليه في دفء وحنو .. فلما أوقفوا البرنامج للراحة عبست المذيعة - والله - وتغيّرت سحنتها لا أدري كيف، وأنا من هذا كله في خوف من أن يقبض علي بلا نعل، ودهشة من هذا الذي يحدث إلى أن انتهى البرنامج، فخرجنا مسرعين وصاحبنا المطرود ينتظرنا عند الباب في خزي وغيرة، وأحسست وأنا أعود إلى البيت بشيء يتكسر من نفسي ويهوي في مجاهلها فأكاد أغيب، لكن ما كنتُ أدري ما هو في تلك السن المبكرة ( قرأت فيما بعد لطاغور: ثمة قفر فسيحاسمه القلب، في أعماقه أضعت سبيلي).
كان ذلك كله : مقابل أن أرى صورتي لثوان معدودات على شاشة التلفزيون، وقد التصقت بالكرسي وتجمعت خوف أن أرى .. فيا لبهجة الطفولة...
عبدالله الهدلق
(ميراث الصمت والملكوت)