- إنضم
- 2025/01/02
- المشاركات
- 480
- التفاعل
- 286
- النقاط
- 63
نهضت على صوت أمي ، الكتب في كل مكان ، اليوم آخر امتحان وزاري ، اخذت الكتب اجمعها واتجهز سريعاً، تراقبني امي على طول الطريق إلى أن اختفي ، اسمع تمتمات دعواتها الخافتة لي ، البلد على صفيح ساخن كما يقولون ، ما بين توقعات بنشوب حرب إلى فوضى كبيرة تعم البلاد من تفجيرات و اشتباكات ، مدينتنا هادئة بشكل عام لكن الأماكن العمومية والوزارية ليست آمنةً ابداً، قَرعت أبواب منازل صديقاتي المتقاربة على طول الطريق ، الباص ينتظرنا في نهاية الزقاق ، لدي خمس صديقات وانا السادسة ، شيماء والدها يعمل في شركة نفط اُغلقت أبوابها منذ بدء الاضطرابات السياسية ، نحن صديقات منذ الإبتدائية وهي اول من تعرفت عليها من بينهن لذلك علاقاتنا وثيقة جدا ، سارة قروية من نفس قريتي والدها مغترب في امريكا وهي الفتاة الصغرى لعائلة مليئة بالفتيات ، وجود فتيات كثيرات في هذا البلد يعني مزيدا من الاعباء هذا ما تشعر به دائما، لذلك هي المتفوقة بيننا فلديها طموحٌ عالٍ لمستقبلها ، كما أنها الوحيدة التي تستطيع تفهمي فلدينا الخلفية الإجتماعية ذاتها ، سمية المتدينة ، شيختنا كما نسميها ، صاحبة الإبتسامة الحلوة ومكابح هفواتنا فهي من تعيدنا إلى رشدنا حين يأخذنا الحماس ، بدأت بتغطية وجهي بعد نصائحها الكثيرة لي ، مع ذلك فأنا اخلعه عند دخولي بوابة المدرسة ، مرام الفتاة الغامضة من كانت عدوتنا اللدودة كما يحدث في الأفلام تماما والتي تعرفنا عليها هذا العام فقط ، لكنه وقت كافٍ لتكون أحد زوايا هذه العلاقة المتينة ، والدتها وكيلة المدرسة ، كانت او بالأصح لازالت مغرورة ، ربما ستضربني لو عرفت أفكاري هذه لكنها طيبة القلب حقا ، توفيت شقيقتها غرقاً في حادث أليم كان السبب في تقاربنا إلى الآن ، أخيرا وليس آخراً ، سُهى الحنجرة الذهبية ، الأنوثة الطاغية ، والجمال الآخاذ ، هي ابنة عم شيماء ،و بحكم تلك القرابة تعرفت عليها ، بالرغم من اختلاف شخصيتها الكبير عنا الأ انها أخذت مكانها بيننا دون أن نشعر ، غمزت لها اشاكسها ضاحكة والباص يتحرك اخيرا وقد مللنا ونحن ننتظرها
_ ما اخبار ذو الحاجبين ؟
_ رفضته بالتأكيد ، هل أنا مجنونة لأتزوج وحيد أمه !
ضربتها شيماء على رأسها بعد ردها ذاك :
_يا مجنونة الرجل لا يعوض وانتظرك لثلاث سنوات !
_وما شأني ؟ هل اعطيته أي أمل ؟
لوحت بيدها لامبالية واكملت :
_ لنقفل الموضوع ، مرام متى ستسافرين ؟
_ لا ادري لكن سيكون في هذا الاسبوع ، كما تعلمين لازالت والدتي لم تأخذ اجازتها بعد .
صمتت قليلا :
_ هذا اليوم غريب جدا
وقبل أن تسألها إحدانا عن سبب كلماتها تلك
اكملت :
_ كل يوم احلم بأختي وهي تصارع الموج تستنجد بي ، اليوم كانت هادئة جدا تراقبني وكأنها تنتظر شيء ما !
لم تجبها اياً منا ، نصمت إحتراماً لحزنها الثقيل ، هي لا تحتاج للمواساة ولا لشفقتنا كما اخبرتنا ، تحتاج ان نستمع لها فقط ، صوت سمية المطمئن يخترق الصمت وهي تدعو لأختها وتربت على كفها .
كالعادة الطريق مُقفل من أمام البنك المركزي ، يتوقف الباص أمامه ، نكمل طريقنا مشياً في شارع جانبي قبل الوصول للثانوية خلف البنك مباشرة !
ندخل البوابة ونتفرق ، عدا سارة التي ترافقني إلى نفس الفصل :
- انظري من هنا ، الم يكن متغيباً بالأمس!
همستها ضاحكة ، تشير بحاجبها الأيمن خلفي :
اتجاهلها اكمل طريقي :
- هل ستعطيه رقم والدك ؟ منذ اسبوع وانتِ تتجاهلين طلبه !
التفت لها بغضب :
- سارة انا اخبرتك لافضفض لك ، لا لنعيد ونزيد بالكلام !
اخذتها خلف العمود في شرفة الطابق الثاني للمبنى ، تطل على ساحة المدرسة، وانا اكمل:
- لن يوافق والدي عليه وسيزوجني لأقرب رجل يخطبني ،
اليوم آخر إمتحان ، لن نرى بعضنا ابداً.
عمّ صمت ثقيل ، تهز رأسها بيأس مني ، تتغير نبرة صوتها :
_كل هذه المبررات ستتحول يوماً ما إلى جرعات من المرارة والندم ، تعلمين كان ابن عمي ! مع ذلك رفضه والدي ، بسبب ليس لنا يدٌ فيه ، ستندمين ، في كل ليلة ستصارعين الذكريات، تطبق على انفاسك كما لو كانت سكرات الموت ، لكنك ستنهضين صباحا بنفس الألم ونفس المرارة ، وسيكرر الوجع كل يوم ، إلى أن تميتي قلبك او تحولي ذلك الحب إلى كره لذاتك !
دموعي حالت دون رؤيتي لملامحها ، اهمس لها :
_لا ادري ، لا ادري .
- حمقاء جبانة !
قالتها سارة تأخذ نفسها إلى الفصل، منذ بدأت الاضطرابات قبل اشهر تم تعيين حرس خاص للمدارس الوزارية ، لتلاحقها نظراته من اول يوم ، قبل اسبوع تجرأ وهو يسألها على استحياء ما إذا كان ممكناً أن تعطيه رقم هاتف والدها ، وكان الصمت جوابها إلى اليوم ، تتسائل كل لحظة عن مشاعرها تجاهه ؟ هل تبادله إياها ؟ أم ان حبه لها هو ما يعجبها ؟ لازالت حيرتها في دوامة عاتية ، لا تجد مستقرا لها ، عيناها التائهة بأفكارها التقت بتلك الهائمة بها لترتجف اوصالها وتتسارع دقات قلبها ، كأن الصمت عمّ الكون عدا صوت قلبها ، ابتسم لها يعود لمراقبته حول البوابة ، فالمخربون لا يعرفون بوابة مشفى او معسكر جيش ، مدرسة ام مركز شرطة !
المهم هو نشر الفوضى والرعب ، لا يهم ما إذا كان من يُقتل ظالم او بريئ ، رجل او إمرأة ، يؤلمها الحال الذي وصلت إليه بلادها ، فقد قتلت احلام جيل بأكمله ، تعود إلى الفصل ، ينتهي الأمتحان ، تتناثر الكتب ، يصنعن صخباً ، سُهى تُغني ، مرام تضرب على الطاولة انغاماً عشوائية ، نصعد على الكراسي ، نرقص وأصوات ضحكنا تجلب المراقبات مجدداً ، لنفرّ هاربات ، هذه اللحظة ، هذه السعادة نعلم جميعنا أنها لا تعوض ، تُخرج مرام كاميرا :
_ترا ترا انظرن !
امسكنا بها ، سمية تختطف الكاميرا ، سارة تحتضنها ، نجتمع لنأخذ صور تذكارية ، واحدة ونحن مجتمعات بجانب بعضنا برسمية والصور الأخريات نصنع بها وجوه وحركات مضحكة .
_ سأستخرج الصور ، وانسخها ست نُسخ وارسلها لكنّ !
قالتها مرام وهي تخبئها ، نحمل حقائبنا ، وقبل أن افكر ، كنت اكتب رقم هاتف والدي بيد مرتجفة في ورقة صغيرة ، اطويها بيدي، البس غطاء وجهي ، عيناي تدوران بحثاً عنه ، يقف خارج اسوار المدرسة ، يُدخن سيجارة مع ثلة من اصدقاءه ، الباص في الجهة الأخرى ورائي ، اراه آتياً اتجاهي ، خفت ، تراجعت للوراء ، لتدفعني بخفة يدا سارة مبتسمة :
_اذهبي !
اكملت طريقها للخلف تنتظرني ، تقدمت بضع خطوات ، قبل أن يحطم سكون المكان انفجار هائل ، ضباب كثيف ، نار حارقة ، جسد ثقيل يغطيني ، ورقة مغطاة بالدم ،وعقب سيجارة يذوي ببطء أمام ناظري ...
_ ما اخبار ذو الحاجبين ؟
_ رفضته بالتأكيد ، هل أنا مجنونة لأتزوج وحيد أمه !
ضربتها شيماء على رأسها بعد ردها ذاك :
_يا مجنونة الرجل لا يعوض وانتظرك لثلاث سنوات !
_وما شأني ؟ هل اعطيته أي أمل ؟
لوحت بيدها لامبالية واكملت :
_ لنقفل الموضوع ، مرام متى ستسافرين ؟
_ لا ادري لكن سيكون في هذا الاسبوع ، كما تعلمين لازالت والدتي لم تأخذ اجازتها بعد .
صمتت قليلا :
_ هذا اليوم غريب جدا
وقبل أن تسألها إحدانا عن سبب كلماتها تلك
اكملت :
_ كل يوم احلم بأختي وهي تصارع الموج تستنجد بي ، اليوم كانت هادئة جدا تراقبني وكأنها تنتظر شيء ما !
لم تجبها اياً منا ، نصمت إحتراماً لحزنها الثقيل ، هي لا تحتاج للمواساة ولا لشفقتنا كما اخبرتنا ، تحتاج ان نستمع لها فقط ، صوت سمية المطمئن يخترق الصمت وهي تدعو لأختها وتربت على كفها .
كالعادة الطريق مُقفل من أمام البنك المركزي ، يتوقف الباص أمامه ، نكمل طريقنا مشياً في شارع جانبي قبل الوصول للثانوية خلف البنك مباشرة !
ندخل البوابة ونتفرق ، عدا سارة التي ترافقني إلى نفس الفصل :
- انظري من هنا ، الم يكن متغيباً بالأمس!
همستها ضاحكة ، تشير بحاجبها الأيمن خلفي :
اتجاهلها اكمل طريقي :
- هل ستعطيه رقم والدك ؟ منذ اسبوع وانتِ تتجاهلين طلبه !
التفت لها بغضب :
- سارة انا اخبرتك لافضفض لك ، لا لنعيد ونزيد بالكلام !
اخذتها خلف العمود في شرفة الطابق الثاني للمبنى ، تطل على ساحة المدرسة، وانا اكمل:
- لن يوافق والدي عليه وسيزوجني لأقرب رجل يخطبني ،
اليوم آخر إمتحان ، لن نرى بعضنا ابداً.
عمّ صمت ثقيل ، تهز رأسها بيأس مني ، تتغير نبرة صوتها :
_كل هذه المبررات ستتحول يوماً ما إلى جرعات من المرارة والندم ، تعلمين كان ابن عمي ! مع ذلك رفضه والدي ، بسبب ليس لنا يدٌ فيه ، ستندمين ، في كل ليلة ستصارعين الذكريات، تطبق على انفاسك كما لو كانت سكرات الموت ، لكنك ستنهضين صباحا بنفس الألم ونفس المرارة ، وسيكرر الوجع كل يوم ، إلى أن تميتي قلبك او تحولي ذلك الحب إلى كره لذاتك !
دموعي حالت دون رؤيتي لملامحها ، اهمس لها :
_لا ادري ، لا ادري .
- حمقاء جبانة !
قالتها سارة تأخذ نفسها إلى الفصل، منذ بدأت الاضطرابات قبل اشهر تم تعيين حرس خاص للمدارس الوزارية ، لتلاحقها نظراته من اول يوم ، قبل اسبوع تجرأ وهو يسألها على استحياء ما إذا كان ممكناً أن تعطيه رقم هاتف والدها ، وكان الصمت جوابها إلى اليوم ، تتسائل كل لحظة عن مشاعرها تجاهه ؟ هل تبادله إياها ؟ أم ان حبه لها هو ما يعجبها ؟ لازالت حيرتها في دوامة عاتية ، لا تجد مستقرا لها ، عيناها التائهة بأفكارها التقت بتلك الهائمة بها لترتجف اوصالها وتتسارع دقات قلبها ، كأن الصمت عمّ الكون عدا صوت قلبها ، ابتسم لها يعود لمراقبته حول البوابة ، فالمخربون لا يعرفون بوابة مشفى او معسكر جيش ، مدرسة ام مركز شرطة !
المهم هو نشر الفوضى والرعب ، لا يهم ما إذا كان من يُقتل ظالم او بريئ ، رجل او إمرأة ، يؤلمها الحال الذي وصلت إليه بلادها ، فقد قتلت احلام جيل بأكمله ، تعود إلى الفصل ، ينتهي الأمتحان ، تتناثر الكتب ، يصنعن صخباً ، سُهى تُغني ، مرام تضرب على الطاولة انغاماً عشوائية ، نصعد على الكراسي ، نرقص وأصوات ضحكنا تجلب المراقبات مجدداً ، لنفرّ هاربات ، هذه اللحظة ، هذه السعادة نعلم جميعنا أنها لا تعوض ، تُخرج مرام كاميرا :
_ترا ترا انظرن !
امسكنا بها ، سمية تختطف الكاميرا ، سارة تحتضنها ، نجتمع لنأخذ صور تذكارية ، واحدة ونحن مجتمعات بجانب بعضنا برسمية والصور الأخريات نصنع بها وجوه وحركات مضحكة .
_ سأستخرج الصور ، وانسخها ست نُسخ وارسلها لكنّ !
قالتها مرام وهي تخبئها ، نحمل حقائبنا ، وقبل أن افكر ، كنت اكتب رقم هاتف والدي بيد مرتجفة في ورقة صغيرة ، اطويها بيدي، البس غطاء وجهي ، عيناي تدوران بحثاً عنه ، يقف خارج اسوار المدرسة ، يُدخن سيجارة مع ثلة من اصدقاءه ، الباص في الجهة الأخرى ورائي ، اراه آتياً اتجاهي ، خفت ، تراجعت للوراء ، لتدفعني بخفة يدا سارة مبتسمة :
_اذهبي !
اكملت طريقها للخلف تنتظرني ، تقدمت بضع خطوات ، قبل أن يحطم سكون المكان انفجار هائل ، ضباب كثيف ، نار حارقة ، جسد ثقيل يغطيني ، ورقة مغطاة بالدم ،وعقب سيجارة يذوي ببطء أمام ناظري ...