- إنضم
- 2025/01/01
- المشاركات
- 712
- التفاعل
- 486
- النقاط
- 63
خلفَ زجاجِ المقهى الذي يُطلُّ على ساحة المحطة، يبدو العالم في الخارج وكأنهُ يدورُ داخلَ حوضِ أسماكٍ عكِر. الزجاجُ يعزلُ الصوت، لكنهُ لا يعزلُ البؤس.
سُلَيْمَانُ؛ إنه هناك دائماً، كأنه تِمْثَالٌ إغريقي شوهته عوادم الحافلات، أو صَبَّارٌ صحراوي نبت خطأً بين بلاط الرصيف المتشقق، يرفضُ الموتَ عطشاً أو قهراً.
يقول نادل المقهى، وهو يمسح طاولتي بملل: "إنه هنا منذ الأزل ينتظر أشباحاً " الجميعُ هنا يعرفُ قصتَهُ التي تآكلت حوافُها من كثرةِ التداول، حتى صارت أشبهَ بأسطورةٍ ريفية. يقولون إن صمتهُ المطبق ليسَ عاهةً، بل هو نَفَق طويلٌ قررَ أن يسيرَ فيهِ وحدَهُ منذُ ذلكَ الـخَرِيف البعيد الذي رحل بعائلته وتركهُ وحيداً على هذا الرصيف. في عينيهِ نظرة تتجاوزُ حدودَ المحطة، نظرة يقين مرعب بأن الغائبين سيعودون فقرر أن يتجذر في أرض الوداع، لعل الزمن يعود للوراء ويرى وجه صَفِيَّةُ.. وتلكَ الصغيرةَ التي لم يعد يذكرُ من ملامحها سوى ضحكةٍ خافتة
كان الجوُّ خانقاً، ورائحة العادم تتسللُ حتى إلى فنجانِ قهوتي
وصلت الحافلة القديمة تئنُّ تحتَ وطأةِ السفر. انفتح بابُها، وتقيأت جوفَها فوج من البشر. وسط الزحام، نزلت سيدة في مقتبل العمر. كانت تتحركُ بخفةِ رِيمٌ مذعور، تلتفتُ حولها بخَوْفٌ غريزي لا مبرر له. تحملُ بين يديها علبةً صغيرةً مغلفةً بعناية، تبدو كـهَدِيَّةٌ ثمينة تخشى عليها من قسوةِ الطريق..
كان سُلَيْمَانُ يراقبها. لعل شبهاً ما، أو ومضةَ ذكرى، جذبته لتلك المسافة أو لعله القدر المحتوم
وفي تلكَ اللحظة، انفصلَ ظلٌ عن الجدار. لم يكن للصٍ ملامح؛ كان مجردَ كتلةٍ من ظَلَامٌ بشري، يرتدي قناعاً من اللامبالاة. لم يكن "لصاً" بالمعنى التقليدي، بل بدا وكأنَّ سوءَ الطالعِ قد تجسدَ في هيئةِ رجل لم يكن يوماً مَيْمُونٌ على الإطلاق
تحركَ الظلُ بسرعةِ أفعى غادرة.. امتدت يدٌ قذرةٌ لتنتزعَ الحقيبة. اختلَّ توازنُ السيدة، وسقطَ
لم يسمع سُلَيْمَانُ صراخها، لكنهُ رأى اهتزازَ الفزعِ في الهواء. اندفعَ نحوهم. لم يكن اندفاعَ بطل، بل اندفاعَ يائسٍ يحاولُ الإمساك بآخرِ خيوطِ الحياة. اشتبكَ مع الظل. لتتطاير قطرات من العَرَق البارد وترسم تفصيلاً عبثياً في مشهد درامي
التمع في ضوءِ الشمسِ نصلٌ حاد، ومضة خاطفةٌ بدت وكأنها ذَهَبٌ منصهرٌ للحظة قبلَ أن تنغرسَ في الضلوع.. تجمدتُ مكاني، وفنجان القهوة معلق في يدي بمنتصف المسافة إلى فمي
تراجعَ الظلُّ هارباً، تاركاً خلفهُ جريمةً مكتملةَ الأركان
تهاوى سُلَيْمَانُ ببطء. لم يسقط كجثة، بل انحنى كمن يرغبُ في معانقةِ أرض المحطة لأحر مرة
تدفقَ الدمُ منهُ غزيراً، قانياً، يروي الأسفلتَ العطش، وكأنَّ خيالَهُ المريضَ في لحظاتهِ الأخيرةِ قد أحالَ الرصيفَ القبيحَ إلى مُرُوجٌ خضراءَ تتمايلُ فيها سَنَابِلُ القمحِ الذهبية، حيثُ تركضُ صَفِيَّةُ نحوهُ بلا توقف.
تجمعَ الناسُ حولهُ، كأنَّ روحه كانت هَبَاءٌ لا وزنَ لهُا وعن غير قصد داس حذاء قذر على بقعة من دمه وانعكاس المتطفلين على تلك البقعة يرسم قبح هذا العالم وتفاهة...
شخصت عيناهُ نحو السماء كنَجْمَةٌ وحيدةٌ وشاحبة في وضحِ النهار، ماتَ ناسك المحطة، وبقيت القهوةُ أمامي سوداء، مُرّة، وباردةً كجثته
سُلَيْمَانُ؛ إنه هناك دائماً، كأنه تِمْثَالٌ إغريقي شوهته عوادم الحافلات، أو صَبَّارٌ صحراوي نبت خطأً بين بلاط الرصيف المتشقق، يرفضُ الموتَ عطشاً أو قهراً.
يقول نادل المقهى، وهو يمسح طاولتي بملل: "إنه هنا منذ الأزل ينتظر أشباحاً " الجميعُ هنا يعرفُ قصتَهُ التي تآكلت حوافُها من كثرةِ التداول، حتى صارت أشبهَ بأسطورةٍ ريفية. يقولون إن صمتهُ المطبق ليسَ عاهةً، بل هو نَفَق طويلٌ قررَ أن يسيرَ فيهِ وحدَهُ منذُ ذلكَ الـخَرِيف البعيد الذي رحل بعائلته وتركهُ وحيداً على هذا الرصيف. في عينيهِ نظرة تتجاوزُ حدودَ المحطة، نظرة يقين مرعب بأن الغائبين سيعودون فقرر أن يتجذر في أرض الوداع، لعل الزمن يعود للوراء ويرى وجه صَفِيَّةُ.. وتلكَ الصغيرةَ التي لم يعد يذكرُ من ملامحها سوى ضحكةٍ خافتة
كان الجوُّ خانقاً، ورائحة العادم تتسللُ حتى إلى فنجانِ قهوتي
وصلت الحافلة القديمة تئنُّ تحتَ وطأةِ السفر. انفتح بابُها، وتقيأت جوفَها فوج من البشر. وسط الزحام، نزلت سيدة في مقتبل العمر. كانت تتحركُ بخفةِ رِيمٌ مذعور، تلتفتُ حولها بخَوْفٌ غريزي لا مبرر له. تحملُ بين يديها علبةً صغيرةً مغلفةً بعناية، تبدو كـهَدِيَّةٌ ثمينة تخشى عليها من قسوةِ الطريق..
كان سُلَيْمَانُ يراقبها. لعل شبهاً ما، أو ومضةَ ذكرى، جذبته لتلك المسافة أو لعله القدر المحتوم
وفي تلكَ اللحظة، انفصلَ ظلٌ عن الجدار. لم يكن للصٍ ملامح؛ كان مجردَ كتلةٍ من ظَلَامٌ بشري، يرتدي قناعاً من اللامبالاة. لم يكن "لصاً" بالمعنى التقليدي، بل بدا وكأنَّ سوءَ الطالعِ قد تجسدَ في هيئةِ رجل لم يكن يوماً مَيْمُونٌ على الإطلاق
تحركَ الظلُ بسرعةِ أفعى غادرة.. امتدت يدٌ قذرةٌ لتنتزعَ الحقيبة. اختلَّ توازنُ السيدة، وسقطَ
لم يسمع سُلَيْمَانُ صراخها، لكنهُ رأى اهتزازَ الفزعِ في الهواء. اندفعَ نحوهم. لم يكن اندفاعَ بطل، بل اندفاعَ يائسٍ يحاولُ الإمساك بآخرِ خيوطِ الحياة. اشتبكَ مع الظل. لتتطاير قطرات من العَرَق البارد وترسم تفصيلاً عبثياً في مشهد درامي
التمع في ضوءِ الشمسِ نصلٌ حاد، ومضة خاطفةٌ بدت وكأنها ذَهَبٌ منصهرٌ للحظة قبلَ أن تنغرسَ في الضلوع.. تجمدتُ مكاني، وفنجان القهوة معلق في يدي بمنتصف المسافة إلى فمي
تراجعَ الظلُّ هارباً، تاركاً خلفهُ جريمةً مكتملةَ الأركان
تهاوى سُلَيْمَانُ ببطء. لم يسقط كجثة، بل انحنى كمن يرغبُ في معانقةِ أرض المحطة لأحر مرة
تدفقَ الدمُ منهُ غزيراً، قانياً، يروي الأسفلتَ العطش، وكأنَّ خيالَهُ المريضَ في لحظاتهِ الأخيرةِ قد أحالَ الرصيفَ القبيحَ إلى مُرُوجٌ خضراءَ تتمايلُ فيها سَنَابِلُ القمحِ الذهبية، حيثُ تركضُ صَفِيَّةُ نحوهُ بلا توقف.
تجمعَ الناسُ حولهُ، كأنَّ روحه كانت هَبَاءٌ لا وزنَ لهُا وعن غير قصد داس حذاء قذر على بقعة من دمه وانعكاس المتطفلين على تلك البقعة يرسم قبح هذا العالم وتفاهة...
شخصت عيناهُ نحو السماء كنَجْمَةٌ وحيدةٌ وشاحبة في وضحِ النهار، ماتَ ناسك المحطة، وبقيت القهوةُ أمامي سوداء، مُرّة، وباردةً كجثته